أبي هلال العسكري

134

الصناعتين ، الكتابة والشعر

ولكنه يجرى معه فلا تندّ عنه نادّة معجبة سمنا إلّا كبحها ، ولا تتخلّف عنه مثقلة هزيلة إلّا أرهقها . فطورا يفرّقه ليختار أحسنه ، وطورا يجمعه ليقرب عليه خطوة الفكر ، ويتناول اللفظ من تحت لسانه ، ولا يسلّط الملل على قلبه ولا الإكثار على فكره . فيأخذ عفوه ، ويستغزر درّه ، ولا يكره أبيّا ، ولا يدفع أتيا . وقال بشر بن المعتمر « 1 » : خذ من نفسك ساعة لنشاطك ، وفراغ بالك ، وإجابتها لك ؛ فإنّ قلبك في تلك الساعة أكرم جوهرا ، وأشرق حسنا ، وأحسن في الأسماع ، وأحلى في الصدور ، وأسلم من فاحش الخطأ ، وأجلب لكل غرّة من لفظ كريم ، ومعنى بديع . واعلم أنّ ذلك أجدى عليك ممّا يعطيك يومك الأطول بالكدّ والمطالبة والمجاهدة والتكلّف والمعاودة ؛ ومهما أخطأك لم يخطئك أن يكون مقبولا قصدا ، وخفيفا على اللسان سهلا ؛ وكما خرج عن ينبوعه ، ونجم من معدنه . وإياك والتوعّر ؛ فإن التوعّر يسلمك إلى التعقيد ، والتعقيد هو الذي يستهلك معانيك ، ويشين ألفاظك ، ومن أراغ معنى كريما فليلتمس له لفظا كريما ؛ فإنّ حقّ المعنى الشريف اللفظ الشريف ، ومن حقهما أن يصونهما عما يدنّسهما ويفسدهما ويهجنهما ، فتصير بهما إلى حدّ تكون فيه أسوأ حالا منك قبل أن تلتمس منازل البلاغة ، وترتهن نفسك في ملابستهما ، فكن في ثلاث منازل : فأوّل الثلاث أن يكون لفظك شريفا عذبا ، وفخما سهلا ، ويكون معناك ظاهرا مكشوفا ، وقريبا معروفا . فإن كانت هذه لا تواتيك ، ولا تسنح لك عند أوّل خاطر ، وتجد اللفظة لم تقع موقعها ، ولم تصل إلى مركزها ، ولم تتّصل بسلكها ، وكانت قلقة في موضعها ، نافرة عن مكانها ، فلا تكرهها على اغتصاب

--> ( 1 ) العمدة : 1 - 186 ، والبيان والتبيين 1 : 135 .